سياسية

الشرع وترامب في أنقرة من قمة الناتو

لقاء قد يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط

في مشهد كان من الصعب تخيله قبل أقل من عامين، جلس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى جانب الرئيس السوري أحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العاصمة التركية أنقرة، في لقاء وصفه مراقبون بأنه أحد أهم التحولات السياسية في الملف السوري منذ اندلاع الحرب الإجرامية عام 2011.

فالاجتماع لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي بين رئيسي دولتين، بل حمل رسائل سياسية واقتصادية وأمنية قد تمهد لمرحلة جديدة في العلاقات بين الولايات المتحدة وسوريا، بعد سنوات طويلة من العقوبات والعزلة والمواجهة غير المباشرة.

ترامب: رفع العقوبات منح سوريا دفعة كبيرة

خلال اللقاء، أعلن الرئيس الأمريكي أن قرار إدارته برفع الجزء الأكبر من العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا منح البلاد “دفعة هائلة”، مؤكداً أن واشنطن تريد رؤية سوريا مستقرة وقادرة على إعادة بناء اقتصادها.

ولم يتوقف ترامب عند ملف العقوبات، بل كشف عن توجه جديد في السياسة الأمريكية تجاه دمشق، معلناً أنه يعتزم إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهي خطوة إذا اكتملت قانونياً بعد مراجعة الكونغرس، فستكون الأولى من نوعها منذ عقود، وستفتح الباب أمام عودة الاستثمارات الأمريكية والدولية وتخفيف القيود على المساعدات والتعاملات المالية.

وأضاف ترامب أن الأوضاع داخل سوريا أصبحت أكثر استقراراً، معتبراً أن الحكومة السورية الجديدة نجحت في تحقيق تقدم ملحوظ خلال الفترة الماضية.

من العزلة إلى الانفتاح

لقاء أنقرة لم يكن حدثاً منفصلاً، بل جاء تتويجاً لسلسلة من الخطوات التي بدأت قبل أشهر، عندما وقع ترامب أمراً تنفيذياً أنهى معظم برامج العقوبات الأمريكية على سوريا، وألغى العمل بقانون “قيصر”، الذي كان يمثل أحد أكثر أنظمة العقوبات تأثيراً على الاقتصاد السوري.

ويهدف القرار إلى إعادة دمج سوريا تدريجياً في النظام المالي العالمي، وتشجيع الشركات الأجنبية على الاستثمار في مشاريع إعادة الإعمار، في وقت بدأت فيه عدة دول خليجية الإعلان عن خطط استثمارية بمليارات الدولارات داخل سوريا.

ورغم هذا الانفتاح، أكدت الإدارة الأمريكية أن العقوبات ستظل مفروضة على شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، إضافة إلى المتهمين بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان أو المساهمة في زعزعة استقرار المنطقة.

ملفات أمنية معقدة على الطاولة

ولم تقتصر المباحثات على الجانب الاقتصادي، إذ ناقش الرئيسان عدداً من الملفات الأمنية الحساسة، أبرزها مكافحة تنظيم داعش، والتعاون الاستخباراتي، ومستقبل الاستقرار في سوريا.

كما عاد ملف حزب الله إلى الواجهة، بعدما أشار ترامب إلى أن سوريا قد تكون شريكاً مهماً في التعامل مع هذا الملف، في إطار رؤية أمريكية لإعادة ترتيب التوازنات الأمنية في المنطقة.

إلا أن دمشق حافظت على موقفها المعلن، مؤكدة رفضها التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، مع التشديد على احترام سيادة لبنان وعدم الانخراط في أي ترتيبات تمس قراره الوطني.

إشادة أمريكية بالرئيس أحمد الشرع

وفي واحدة من أكثر التصريحات لفتاً للانتباه، أشاد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع، قائلاً إنه يحظى باحترام واسع، معتبراً أن الحكومة السورية الجديدة حققت خطوات مهمة في مواجهة تنظيم داعش واستعادة الاستقرار داخل البلاد.

ويرى مراقبون أن هذه التصريحات تمثل تحولاً واضحاً في الخطاب الأمريكي تجاه القيادة السورية الجديدة، مقارنة بالمواقف التي سادت طوال السنوات الماضية.

أنقرة.. منصة التحول الدبلوماسي

اختيار العاصمة التركية أنقرة لعقد اللقاء لم يكن مصادفة، إذ استضافت المدينة قمة الناتو التي تحولت إلى منصة لعشرات الاجتماعات الثنائية بين قادة العالم.

كما لعبت تركيا دوراً محورياً في تهيئة الظروف السياسية والدبلوماسية لهذا اللقاء، في ظل العلاقات التي تربطها بكل من واشنطن ودمشق، وسعيها إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي بعد سنوات من الصراع.

وكان ترامب قد أشاد، قبل لقائه الشرع، بالدور الذي لعبه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في دعم الاستقرار الإقليمي، مؤكداً أن العلاقة مع أنقرة أسهمت في فتح قنوات التواصل مع القيادة السورية الجديدة.

لقاء يأتي بعد انفتاح أوروبي غير مسبوق

وجاء اجتماع ترامب والشرع بعد أقل من يوم على الزيارة التاريخية التي أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، والتي أعلنت خلالها باريس دعمها للحكومة السورية الجديدة، إلى جانب توقيع اتفاقيات في مجالات الطاقة والبنية التحتية والاستثمار.

ويرى محللون أن تتابع الزيارتين يعكس تسارع الانفتاح الغربي على دمشق، بعد سنوات من القطيعة، ويؤكد أن الملف السوري دخل مرحلة مختلفة عنوانها إعادة الإعمار والانخراط الاقتصادي بدلاً من سياسة العزل.

ماذا يعني رفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب؟

إذا اكتملت إجراءات إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فإن ذلك سيحمل انعكاسات واسعة، أبرزها:

  • تسهيل عودة البنوك والمؤسسات المالية العالمية للعمل مع سوريا.
  • تشجيع الشركات الأمريكية والأوروبية على الاستثمار.
  • زيادة تدفق المساعدات الدولية.
  • تسهيل تمويل مشاريع إعادة الإعمار.
  • تحسين التصنيف الائتماني والاقتصادي للدولة السورية.
  • فتح الباب أمام اتفاقيات تجارية واستثمارية جديدة مع الغرب.

لكن تنفيذ هذه الخطوة يتطلب استكمال الإجراءات القانونية داخل الولايات المتحدة، حيث يجب إخطار الكونغرس الذي يمتلك فترة مراجعة قبل دخول القرار حيز التنفيذ.

هل بدأت مرحلة جديدة؟

يرى خبراء العلاقات الدولية أن لقاء أنقرة قد يكون نقطة تحول في السياسة الأمريكية تجاه سوريا، خاصة أنه جاء متزامناً مع رفع العقوبات، والانفتاح الأوروبي، وزيادة الاهتمام الخليجي بالاستثمار داخل البلاد.

وفي المقابل، يؤكد محللون أن نجاح هذه المرحلة سيعتمد على قدرة الحكومة السورية على استكمال الإصلاحات، وترسيخ الأمن الداخلي، وطمأنة المجتمع الدولي بشأن ملفات مكافحة الإرهاب، والحكم، وحقوق الإنسان.

وبينما لا تزال تحديات كبيرة تواجه سوريا بعد أكثر من عقد من الحرب، فإن لقاء ترامب والشرع يحمل رسالة واضحة مفادها أن دمشق عادت تدريجياً إلى طاولة السياسة الدولية، وأن مرحلة العزلة التي استمرت سنوات طويلة قد تكون في طريقها إلى نهايتها، لتبدأ صفحة جديدة عنوانها الحوار، وإعادة الإعمار، وإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.

يمكنك أيضا الإطلاع على هذا المقال

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى